فخر الدين الرازي
83
المطالب العالية من العلم الإلهي
رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر إلا لمرجح ، ولو كانت هذه القضية بديهية لامتنع إطباق الطوائف العظيمة على إنكارها . الحجة الثالثة : لو كانت هذه المقدمة بديهية ، لكان العلم بافتقار الممكن الباقي حال بقائه إلى المؤثر علما بديهيا لأن الإمكان حاصل فيه ، لكن الأمر ليس كذلك ، فإن أكثر العقلاء يقولون ببطلانه ، ويقولون : إن تحصيل الحاصل محال في بديهة العقول ، فعلمنا : أن العلم « 1 » بافتقار الممكن إلى المؤثر ليس حكما بديهيا . فهذا تمام الكلام في طرق السؤال والاعتراض . والجواب : قوله في السؤال الأول : « إن الشبهات التي ذكرتموها ، إنما تدل على أن العلم بافتقار المحدث إلى المؤثر علم ضروري ولا تدل على أن العلم بافتقار الممكن إلى [ المؤثر ] « 2 » المرجع ضروري » . فنقول في الجواب « 3 » عنه طريقان : الطريق الأول : أن نقول إنه لما ثبت بالوجوه المذكورة أن العلم باحتياج المحدث إلى المؤثر « 4 » أمر « 5 » ضروري بديهي . فنقول : إنه يلزم منه كون الإمكان محوجا إلى المؤثر ، والدليل عليه : أنا إذا فرضنا الشيء قديما أزليا ومع كونه كذلك ، فإذا فرضناه واجب الوجود لذاته [ فههنا إذا حصل اعتقاد كونه أزليا وحصل أيضا اعتقاد كونه واجب الوجود لذاته « 6 » ] فمع حصول هذين الاعتقادين ، يستحيل منا أن نعتقد فيه كونه محتاجا في وجوده إلى مرجح ومؤثر ، وهذا يدل على أن منشأ الحاجة إما الحدوث وإما الإمكان ، لأنا عند فرض زوال هذين المفهومين لما امتنع الحكم علينا بالحاجة ، ثبت أن المقتضي للحاجة إما مجموع هذين القيدين أو أحدهما ، وإذا ثبت هذا . فنقول : الحدوث يمتنع أن يكون علة للحاجة ، أو أن يكون جزء العلة ، أو أن يكون شرط العلة ، وإذا سقط الحدوث عن درجة الاعتبار ، بقي
--> ( 1 ) الحكم ( س ) . ( 2 ) من ( س ) . ( 3 ) فنقول : لنا عنه ( س ) . ( 4 ) المحدث ( س ) . ( 5 ) علم بديهي ( س ) . ( 6 ) من ( ز ) .